أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

19

تهذيب اللغة

الفاكهة ، وإنما شذّ قولُ النُّعمان بنِ ثابت في هذه المسألة عن أَقاويل جماعةِ فقهاء الأمصار لقلِّةِ عِلْمه كان بكلامِ العَرب وعِلم اللغة وتأويلِ القرآن العربيّ المبين . والعربُ تَذكُر الأشياءَ جُملةً ثمَّ تخصُّ منها شيئاً بالتَّسْمية تنبيهاً على فضْلٍ فيه . قال اللَّه جلّ وعزّ : ( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) [ البَقَرَة : 98 ] فمن قال إنَّ جِبريل وميكال ليسا من الملائكة لإفراد اللَّه إيَّاهما بالتّسمية بعد ذِكر الملائكة جملة فهو كافر ؛ لأن اللَّه نص على ذلك وبيَّنه ، وكذلك من قال إن ثمر النخل والرمان ليس من الفاكهة : لإفراد اللَّه إياهما بالتسمية بعد ذكر الفاكهة جملةً فهو جاهل ، لأن اللَّه وإنْ أفرَدَهما بالتّسمِية فإنه لم يُحرِجهما من الفاكهة ، ومن قال : إنَّهُما ليسا من الفاكهة فهو خلافُ المعقول ، وخلاف ما تَعرفُه العرب . وقال الليث : فَكَّهْتُ القومَ تفكِيهاً بالفاكهة . قال : وفاكَهْتُ القومَ مُفاكَهةً بمُلَح الكلام والمُزاح ، والاسم الفَكِيهةُ والفاكهة . وتقول : تفكَّهْنا من كذا وكذا : تَعَجَّبْنَا . ومنه قولُ اللَّه : ( فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ) [ الواقِعَة : 65 ] أي تَعَجَّبون . قال : وقولُ اللَّه جلّ وعزّ : ( فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) [ الطُّور : 18 ] أي ناعمين مُعجبين بما هم فيه ، ومَنْ قرأ ( فَكِهِينَ ) فمعناه فَرِحِين . قال : وسمعتُ أهلَ التفسيرِ يَختارُون ما كان في وصف أهل الجَنَّة فاكِهين ، وما كان من وَصْف أهل النّار فَكِهين ، يعني أَشرينَ بَطرين . وقال الفرّاء في قول اللَّه جلَّ وعزّ في صفة أهل الجنّة : ( فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ ) [ يس : 55 ] بالألف ، ويقرأ ( فَكِهون ) وهي بمنزلة حَذرُون و حاذِرُونَ . قلتُ : لمَّا قرىء بالحرفين في صفة أهل الجنّة علم أَنَّ معناهما واحد . وقال الفرّاءُ في قوله تعالى : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ( 17 ) فاكِهِينَ ) [ الطور : 17 ، 18 ] قال : معجبين بما آتاهم ربُّهم . وقال الزجّاج : قُرِىء ( فَكِهين ) و ( فاكِهِينَ ) [ الطُّور : 18 ] جميعاً والنَّصب على الحال ، ومعنى ( فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ) [ الطُّور : 18 ] : أي معجَبين بما آتاهم ربُّهم . وقال أبو عُبَيدة : تقول العرب للرجل إذا كان يَتفكَّه بالطعام أو بالفاكهة أو بأعراضِ الناس : إنَّ فلاناً لَفَكِهٌ بكذا وكذا ، وأنشد قوله : فكِه إلى جَنْبِ الخِوَانِ إذا غَدَتْ * نَكْبَاءُ تَقْطع ثابِتَ الأطنابِ وقال أبو عُبَيد : قال أبو زيد : الفَكِهُ : الطَّيِّبُ النَّفْس الضَّحُوك . وقال شمر : قال أبو زيد : رَجُلٌ فَكِهٌ وفاكِهٌ وفَيْكَهَانٌ ، وهوَّ الطيِّبُ النّفس المَزَّاح . وأنشد : إذا فَيْكَهَانٌ ذو مُلَاء وَلِمَّةٍ * قليل الأذَى فيما يرى الناسُ مُسلِمُ قال : وفاكَهتُ : مازحت .